|
دليلة قدور
|
|
01/02/2012 |
في كتاب 'لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم" |
شكيب أرسلان يستشرف في القرن التاسع عشر أسباب وهن الأمة الإسلامية
صدر حديثا عن منشورات المجلس الإسلامي الأعلى، كتاب بعنوان 'لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم' لمؤلفه شكيب أرسلان، والذي يهدف من ورائه ابراز نقاط وهن المسلمين التي سبق وأن نشرها صاحبها في كتاب 'حاضر العالم الإسلامي'، داعيا عبره علماء الإسلام والفقهاء والمثقفين إلى ضرورة النهوض بمجتمعاتهم من خلال الحفاظ على تراثهم العظيم واللحاق بالركب العلمي.
افتتح الكتاب بتصدير لرئيس المجلس الإسلامي الأعلى الدكتور أبو عمران الشيخ، الذي قدم من خلاله تعريف موجز لرائد النهضة العربية الإسلامية بقيادة جمال الدين الأفغاني ومدرسة النهضة ' شكيب أرسلان' الملقب 'بأمير البيان'، ومما جاء فيه أنه كان كاتبا وشاعرا وناقدا وأديبا ومؤرخا ومترجما وسياسيا من مواليد 25 ديسمبر 1869 بلبنان، كرس حياته للتعريف بالعالم العربي الإسلامي وبكل ما يتعلق بنهضته الثقافية والسياسية والإقتصادية، أسس مجلة الأمة العربية الناطقة باللغة الفرنسية، التي نالت صيتا واسع النطاق بين القوميين العرب والمسلمين عامة، كما تعرف 'شكيب أرسلان على شخصيات جزائرية ذكر منها مصالي الحاج الذي نصحه بالتخلي عن الماركسية والتركيز على القومية والنضال من أجل استقلال الجزائر، إضافة إلى ذلك كانت له مراسلات عديدة مع أبي اليقظان وسعيد الزاهري والطيب العقبي وتوفيق المدني ومجموعة من الشعراء الجزائريين الذين أفادتهم ثقافته الرائدة ومواقفه السياسية الشجاعة، حيث ظل يكرس جهوده في صالح القضايا العادلة إلى غاية وفاته في 19 ديسمبر 1946.
ليليه عرض مقدمتي الطبعة الأولى التي كانت لفقيد الإسلام محمد رشيد رضا والطبعة الثانية التي خطها القاضي الشرعي حسين تميم. واللذان استعرضا من خلالها التغيرات التي طرأت على الوجود الإسلامي.
تطرق الكتاب الذي جاء في 136 صفحة، للسيرة الذاتية للأمير شكيب أرسلان، وأسئلة الشيخ محمد البسيوني عمران، والتي تمحورت حول أسباب ما صار إليه المسلمون والأسباب التي ارتقى بها الأوروبيون والأمريكاتنيون واليابانيون ارتقاء هائلا، وكيف يمكن أن يصير المسلمون أمثالهم في هذا الإرتقاء إذا اتبعوهم في أسبابه مع المحافظة على دينهم.
تضمن القسم الأول من الكتاب رد شكيب أرسلان على أسئلة البسيوني، من خلال الوقوف على أسباب ارتقاء مسلمين الماضي، والتي كانت من أهمها الديانة الإسلامية التي كانت قد ظهرت جديدا في الجزيرة العربية فدان بها قبائل العرب وتحولوا بهدايتها من الفرقة إلى الوحدة ومن الجاهلية إلى المدنّية، ومن القسوة إلى الرحمة، ومن عبادة الأصنام إلى عبادة الواحد الأحد، مرجعا سبب فقد المسلمين قوتهم إلى فقدان السبب الذي ساد به سلفهم من العمل وانشاد الموت في سبيل الله، عبر تقديم مقابلة بين حالي المسلمين والإفرنج اليوم، ونتائج إعانة مصر لمجاهدي طرابلس وبرقة من حفظ شرف الإسلام وإفهام الأروبيين أن الإسلام لم يمت، وأن المسلمين لايسلمون بلدانهم بلا حرب وفي ذلك الفائدة المادية والمعنوية للإسلام ما لا ينكره إلا مكابر.
هذا، ووقف 'شكيب هنيهة عند خيانة بعض المسلمين لدينهم ووطنهم وسعيهم بين يدي أعدائهم ابتغاء مرضاتهم، مقدما في ذلك موازنة بين المسلمين والنصارى في البذل لنشر الدين.
أما في القسم الثاني من الكتاب، فلقد فصل في ذكر أهم أسباب تأخر المسلمين من بينها فساد الأخلاق، فقد الفضائل التي حث عليها القرآن، والعزائم التي حمل عليها سلف هذه الأمة، أيضا الجبن والهلع اللذان أصابا المسلمين اليأس والقنوط من رحمة الله، الإفراط في حب الدنيا، الجمود على القديم، مشيرا كيف حافظت الشعوب الإفرنجية على قوميتها وكيف ارتقى اليابانيين دون أن نسميهم رجعيين بتديّنهما، متسائلا في القسم الثالث كيف لهؤلاء جميعهم أن يتعلموا ويتقدموا ويرتقوا ويحافظ كل واحد منهم على دينه المسيحي واليهودي على وثنه، إلا المسلم المسكين الذي يستحيل أن يترقى إلا إذا رمى بقرأنه وعقيدته وانفصل من كل تاريخه، فإن لم يفعل ذلك فلا حظ له من الرقي.
بينما تناول الأمير 'شكيب' في القسم الرابع والخامس مقالا بعنوان 'غوائل الجامدين في الإسلام والمسلمين' وكيف أصبحوا فتنة لأعداء الإسلام وحجة عليه، والذي وضح فيه معنى الجامد وربطه بالذي شهر الحرب على العلوم الطبيعية والرياضية والفلسفية وفنونها وصناعتها بحجة أنها من علوم الكفار، وحصر كل المجهودات على العلوم الدينية والمحاضرات الأخروية مع إهمال كل العلوم الكونية بحجة القضاء والقدر، هذا الأمر ـ وحسب المؤلف ـ جعل المسلمين الجامدين فتنة لأعداء الإسلام وحجّة عليه، واتهام الإفرنج الإسلام بأنه جبري لا يأمر بالعمل، لأن ماهو كائن هو كائن، عمل المخلوق أم لم يعمل، منكرا ذلك من خلال الإستشهاد بالآيات القرأنية الداعية للعمل والمبطلة لتفسير القدر بالجبر والكسل.
في حين، دحض الكتاب في القسمين السادس والسابع، مزاعم أعداء الإسلام القائلين بأن الإسلام لم يتمكن من تأسيس مدنّية خاصة، تحت عنوان ' مدنية الإسلام' والرد على حساد المدنيّة الإسلامية المكابرين، من خلال التنويه لحضارة الإسلام وما أنتجته من كتب وما أخذته عن غيرها من علوم، وما أفادته في فتوحاتها من منازع جميلة، وطرائق سديدة أخذتها عن غيرها وهو درب الحضارات البشرية التي يأخذ بعضها عن بعض، ضاربا بعض الأمثلة عن الأمم الأخرى كاليونان والرومان قبل النصرانية وبعدها، وختم 'شكيب' بقوله إن إدخال الأديان في معترك الحياة وجعلها هي وحدها معيار الترقي والتردي ليس من النصفة في شيء، أما الإسلام فلا جدال في كونه سبب نهضة العرب وفتوحاتهم المدهشة، وما وصل إليه المسلمين من تردي أحوالهم سوى لأنهم اكتفوا بمجرد الإسم والحال أن الإسلام اسم وفعل.
بينما في القسم الثامن، عزز الكتاب بالشواهد القرأنية والتفاسير التي تحث على العلم. ليعرج في القسم التاسع لذكر أسباب إنحطاط المسلمين في العصر الأخير، مركزا على عامل فقدان الثقة بالنفس التي اعتبرها من أشد الأمراض الإجتماعية وأخبث الأفات الروحية نظرا لما يتبعه من أضرار وخيمة، داعيا المسلمين لنفض غبار الخمول عن أنفسهم.
أما القسم العاشر، فلقد جاء بعنوان 'هكذا إذا توجهت الهمم' مستعرضا الإصلاحات المعنوية والمادية في البلاد المقدسة' والتقارير الخاصة بتحسي طريق السعى بين الصفا والمروى وورود المياه بعين عرفات وانارة البلد بالكهرباء، ليختتم الكتاب بخلاصة كتبت في 11 نوفمبر 1930 مفادها ' أن الواجب على المسلمين لينهضوا ويتقدموا ويتعرجوا في مصاعد المد ويترقوا كما ترقى غيرهم من الأمم، هو الجهاد بالمال والنفس الذي أمر ب الله في قرأنه مرارا عديدة، وهو مايسمونه اليوم بالتضحية، مضيفا أن المسلمون يمكنهم إذا أرادوا بعث العزائم وعملوا بما حرضهم عليه كتابهم أن يبلغوا مبالغ الأوروبيين والأمريكيين واليابانيين من العلم والإرتقاء، وأن يبقوا على إسلامهم كما بقي أولئك على أديانهم، بل هم أولى بذلك وأحرى، فإن أولئك رجال ونحن رجال، وإنما الذي يعوزنا هو الأعمال، وإنما الذي يضرنا هو التشاؤم والإستخذاء وانقطاع الأمال، فلننفض غبار اليأس ولنتقدم إلى الأمام، ولنعلم أننا بالغو كل أمنية بالعمل والدأب والإقدام، وتحقيق شروط الإيمان التي في القرأن:' والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ' (سورة العنكبوت، الآية 69). بهذه الكلمات الصادقة والبالغة الأهمية، ندعو القراء ليتصفحوا هذا الكتاب الذي نستشف عبره النظرة الإستشرافية التي كان يتمتع بها النبغاء والعلماء العرب الذين رفعوا سلاح القلم في سبيل إظهار كلمة الحق ولو على حساب حياتهم، فهلا تأسينا بهم.
|
|
|