|
ع.داود
|
|
04/09/2010 |
رغم جهود وزارات السكن المتعاقبة لاحتوائهما منذ الاستقلال |
السكن الشاغر.. ملف شائك لم يحسم بعد والهش قد يفجّر الشارع مع الدخول الاجتماعي
تحصي الجزائر وفقا لبيانات رسمية أعدت عقب الإحصاء العام للسكن والسكان الأخير 2007، أزيد من مليوني وحدة سكنية شاغرة أي أنها مغلقة وغير مستغلة سلمت في إطار كل البرامج السكنية الحكومية التي أنجزت خلال العقود الثلاث الماضية، إلى جانب مئات الآلاف من السكنات الهشة الآلية للانهيار على رؤوس قاطنيها في أية لحظة ويمتد نسيجها في كبريات المدن شمال البلاد يعود تاريخ انجازها إلى بدايات القرن الماضي من طرف الاحتلال الفرنسي. ورغم كل الجهود التي بدلتها الدولة لاستئصال هذين الورمين، إلا أنها بقيت تدور في حلقة مفرغة.
بدأت بوادر أزمة السكن تلوح في الأفق بالجزائر منذ منتصف سنوات السبعينيات وتأججت أكثر في منتصف الثمانينات وبلغت جد الاختناق في منتصف التسعينيات ودخلت مرحلة الشغب والتخريب والاحتجاجات الدامية في بدايات العشرية الأولى من القرن الجديد، ورغم كل البرامج السكنية التي باشرتها الحكومة لاحتواء وامتصاص الطلب المتزايد على السكن، إلا أن مساعيها ضلت تدور في "حلقة مفرغة" ـ بحسب ما يذهب إليه العديد من المراقبين والمحللين المتتبعين لملف السكن والإسكان في البلد ـ وذلك لعدة أسباب.
النمو الديموغرافي، غياب العدالة و"لوبيات البزنسة" عقّدت من مهام الحكومة
أول هذه الأسباب يتمثل في النمو الديموغرافي المتزايد إلى درجة أن الحكومة أصبحت في مواجهة مقاربة صعبة ـ حسبما تشير إليه الإحصائيات ـ وأيضا غياب العدالة الاجتماعية في التوزيع وأيضا استفحال السلوكيات الطفيلية و"البزنسة" والمحسوبية، إلى غيرها من السلوكيات التي يتقاسم مسؤوليتها الدولة من خلال الجماعات المحلية ومؤسساتها الرقابية ومن جهة أخرى المواطن، ويبلغ تعداد الجزائريين حسب آخر إحصاء قرابة 36.7 مليون نسمة.
الطلب يفوق العرض بخمسة أضعاف سنويا
وبالرغم من التحدي الكبير الذي رفعته الحكومة منذ سنة 1999 في إطار برامج دعم النمو التي أطلقها رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة ودعا إلى السهر على إنجاحها وتمكنها من انجاز أكثـر من 5 خمسة ملايين وحدة سكنية خلال البرنامجين الماضيين 1999ـ2009، إلى جانب مشاريع القضاء على البيوت القصديرية والسكن الهش في المدن وتشجيع السكن الريفي لتثبيت السكان للحد من الهجرة والنزوح الريفي نحو المدن، وأيضا تيسير إجراءات منح القروض العقارية للشرائح ضعيفة ومتوسطة الدخل، إلا أن طريق انفراج أصعب الملفات التي واجهت الحكومة منذ الاستقلال ما يزال طويلا، بالنظر ـ كما أسلفنا ـ إلى عدم توازن كفتي العرض والطلب ـ حسب ما تشير إليه نتائج الإحصاء العام للسكن والسكان الأخير ـ والتي تشير إلى أن الطلب يفوق العرض بخمسة أضعاف سنويا.
أزمات ندرة مواد البناء.. عبء إضافي
وتوفر الحكومة سنويا قرابة 700 ألف وحدة سكنية جديدة في إطار كل الصيغ، بما فيها الصيغة الترقوية. كما أن وتيرة أشغال القضاء على السكن الهش جارية على قدم وساق، حيث تمكنت الحكومة خلال العامين الماضيين من استئصال أكثـر من 250 ألف سكن أيل للانهيار في 13 ولاية عبر الوطن تتقدمهم ولاية الجزائر وتليها ولاية قسنطينة ثم عنابة ووهران.. وبمقابل هذه المعطيات، نجد الطلب يتزايد بنسبة 70 إلى 80 بالمائة سنويا، لتجد وزارة السكن نفسها باعتبارها الوصاية الأولى على القطاع بالنسبة للبرامج السكنية التي تؤطرها وتتابعها والتي تمثل قرابة 85 بالمائة من البرامج الحكومية عبر الوطن و15 بالمائة المتبقية عبارة عن سكنات تشرف عليها شركات مقاولة خاصة، لكن تحت رقابة الوزارة من جانبها التقني، تجد هذه الأخيرة نفسها في موقف حرج لتلبية هذا الكم الهائل المتزايد للطلب، ليضاف هذا العبء إلى جملة المشاكل الأخرى التي تواجهها والتي حالت دون تسليم البرامج التي تشرف عليها في آجالها المحددة، ومن ضمنها الأزمات المتتالية في التموين بمواد البناء، وعلى رأسها مادة الإسمنت والحديد.
السكن الشاغر.. القنبلة الموقوتة
وبنسبة لملف السكن الشاغر والذي أحصت منه الحكومة قرابة 2 مليون وحدة حسب البيانات الرسمية لهيئات الإحصاء، فإنه يظل لحد اليوم "قنبلة موقوتة" قد تفجر الشارع في أية لحظة على اعتبار أنه أحد الأوجه والدلالات التي تؤشر لغياب العدالة في التوزيع. وقد كشف الإحصاء الأخير للسكن والإسكان أن هذه الوحدات السكنية هي في الأصل موزعة بأسماء ملاكها، لكن لم تستغل رغم مرور فترة تتراوح ما بين 4 و8 سنوات عن تاريخ التسليم، وهو ما يثير سخط المواطنين في كل مرة، حيث تقدم المئات من الأسر على اقتحامها، ليتم طردها لاحقا بتسخير القوة العمومية. وقد سبق لوزير السكن والعمران الحالي نور الدين موسى أن تلقى عدة مساءلات من طرف النواب في البرلمان حول هذا الملف، والتي تتمحور كلها في وجوب فتح تحقيقات معمقة حول المستفيدين لمعرفة أسباب غلقها وهجرها لسنين، في وقت يكابد مواطنو "الشاليهات" وسكان الأقبية الأمرّين، في ظل تقاعس الجماعات المحلية وإهمال طلبتها في كل البرامج السكنية التي وزعت خلال السنوات العشر الماضية، لكن هذه المساءلات مال تزال دون رد أو على الأقل لم تشف غليل النواب، ومن ورائهم المواطنين الذين يتساءلون عن مصير ملفات طلب السكن التي أودعوها مند سنوات طويلة ويعود تاريخ بعضها إلى سنة 1985 .
سكان الأقبية و"الشاليهات".. ساخطون
ويتوقّع المتتبعون لملف السكن في البلاد، أن تعود موجة الاحتجاجات إلى الواجهة مع الدخول الاجتماعي المقبل بعد فترة ركود دامت أشهرا، وخصوصا من طرف المقصين من البرامج السكنية الأخيرة، وأيضا من طرف سكان "الشاليهات" والأقبية. وقد التقت "الأمة العربية" بعدد من المواطنين الذين يسكنون الأقبية في الأحياء الجديدة بباب الزوار بولاية الجزائر والرغاية وبودواو بولاية بومرداس، حيث صرح لنا بعضهم أنهم تلقوا وعودا بالترحيل في عهدة وزير السكن الأسبق مجيد تبون في بدايات سنة 2000، لكن ورغم انقضاء 10 سنوات، لا جديد في الأفق. كما أن سكان العديد من الأحياء القصديرية والتجمعات السكنية الفوضوية في أحياء عديدة بالعاصمة، تنتظر الترحيل منذ سنوات أسوة بسكان حي الجزيرة الفوضوي، إلا أن الأمد طال ونفد الصبر، حسب تصريحاتهم.
قطاع السكن يستفيد من حصة الأسد من برنامج دعم النمو 2010ـ2014
أما بالنسبة للمخطط التنموي الجديد 2010ـ2014، فنجد أن قطاع السكن يستحوذ على حصة الأسد من الميزانية الضخمة التي رصدت له والتي تقدر بـ 286 مليار دولار، وقد رفعت الدولة مرة أخرى تحدي إنجاز أكثـر من مليوني وحدة سكنية من مختلف الصيغ، وأيضا رصد مبالغ كبرى لدعم عمليات تمويل القروض لاقتناء العقارات الجديدة بالنسبة للشرائح المتوسطة الدخل من فئة الموظفين. لكن وحسب قراءات المتتبعين، تبقى هذه المساعي من غير جدوى وفعالية إن لم تقرن بأدوات المراقبة لإحقاق العدالة في التوزيع وردع "بارونات" البزنسة في العقار والسماسرة و"كارتلات" مواد البناء.
|
|
|