|
محمد دلومي
|
|
01/08/2010 |
في ظل غياب ثقافة السياحة عندنا |
سياح ينتظرون بالساعات في المطارات والموانئ وخدمات سياحية تحت الصفر
يلعب قطاع السياحة في أي بلاد من العالم، دورا هاما من حيث الاستفادة من الموارد المالية وبالعملة الصعبة. وفي بعض البلدان، ومنها الكثـير من البلدان العربية، صارت السياحة تعد في رأس الاهتمام وموردا حقيقيا للدخل القومي. أما عندنا، فتظل حبيسة الخطابات والوعود التي درج عليها المسؤولون عن القطاع منذ سنوات، دون أن تتحرك الأمور نحو الملموس، بعدما كانت الجزائر في سنوات السبعينيات قبلة سياحية حقيقية، يحج إليها طيلة شهور السنة آلاف السياح من كل دول العالم.
المطارات والموانئ.. الواجهة الأولى للسياحة
السياحة ليست معالم أثرية، ومناطر طبيعية وشواطئ فقط، الأكيد أن أي سائح محلي أو أجنبي يبحث عن مثل هذه الأمور، لكن ليس على حساب راحته، فالسياحة الحقيقية تبدأ من المطارات والموانئ، والمعابر الحدودية. لكن مع الأسف، تعد الخطوة السياحية الأولى عندنا ـ ونقصد بها المطار أو الميناء ـ مشكلة حقيقية، فالجولة التي قادتنا إلى المطار جعلتنا نقف على أمور لا تفتح شهية أي سائح، بل هي منفرة أكثـر منها داعمة لقطاع السياحة. فسوء الاستقبال وبطء الإجراءات الإدارية، لا تخدم أبدا قطاع السياحة، فطوابير ختم الجوازات بالدخول أمام مكاتب الشرطة في المطار يدوم في كثـير من الأحيان إلى قرابة الساعة، وانتظار الأمتعة قد يتعدى ساعة أخرى، وبالتالي يضيّع أي سائح أكثـر من ساعتين فقط في تخليص الإجراءات الإدارية والتفتيش على مستوى المطار. والأمر نفسه على مستوى الميناء، فالسائح أو القادم عبر باخرة مرفوق بسيارته، عليه انتظار نصف يوم ـ إن لم يكن أكثـر ـ من أجل الخروج من الميناء. وقد وقف وزير الجالية الجزائرية بالخارج على مثل هذه الإجراءات فور تنصيبه، ووصل به الأمر إلى درجة توبيخ عدة إطارات من الجمارك والشرطة على مستوى الميناء بسبب عدم تشغيلهم لأجهزة السكانير كلها على مستوى الميناء، مكتفين بجهاز وحيد، ما أدى إلى ازدحام كبير، لدرجة أن مواطنين اشتكوا له البيروقراطية وطول الانتظار. وأمام وضع كهذا، كيف يمكن أن نقنع أي سائح بالقدوم إلى الجزائر؟ فالسياحة تبدأ من اللحظة الأولى التي تطأ فيها أقدام أي سائح مطار أو ميناء البلاد، والنظرة السلبية من أول وهلة كفيلة بأن تعصف بمشروع سياحي لأي قادم من هناك قصد السياحة في بلادنا. والأمر الآخر الذي لا يجب أن نغفله؛ هو تأخر الرحلات، وتلك مصيبة أخرى عرفت بها الخطوط الجوية الجزائرية التي تأخر بعض رحالاتها إلى ساعات قد تقدر بنصف يوم أو أكثـر.
وسائل النقل.. أو النقطة السوداء في قطاع السياحة
ومما لا شك فيه، أن وسائل المواصلات تعد رابطا مهما يعتمد فيه أي سائح، ومع الأسف في هذا المجال يكثـر الحديث دون أن نلمس الواقع. فوزير القطاع يتكلم عن عصرنة وسائل النقل، ودون أن ننكر التطور الملحوظ في بعض وسائل النقل، مثل القطارات الجديدة، إلا أن الجزائر التي هي بحجم قارة لا تزال الكثـير من مناطقها البعيدة ـ خاصة على مستوى الصحراء ـ ناقصة من حيث وسائل النقل، فضلا عن قدم الكثـير منها. فمثلا في دبي، حينما قررت الإمارة توسيع شبكتها في مجال النقل، لم يستغرق مشروع الميترو سوى أربع سنوات، ليجد السائح هناك كل سبل الراحة في وسائل النقل، بينما مازلنا نحن نتحدث عن الميترو منذ الثمانينيات ولم نستطع أن نتقدم فيه سوى بعض الكيلومترات، رغم التهامه لأغلفة مالية تقدر بملايين الدولارات دون أن يرى النور، وماذا لو فكر أي سائح أن يتجوّل في العاصمة عن طريق وسائل النقل العادية، كالحافلات مثلا، أو أراد التوجه إلى ساحل أو شاطئ من العاصمة إلى تيبازا؟ ووسائل النقل تعد مشكلا حقيقيا، فأي سائح لابد أنه يبحث عن حرية التنقل، والأكيد أنه سيركب الحافلات مثله مثل المواطن العادي. ولكن رغم وعود الوزارة الوصية، ما تزال الحافلات مهترئة، يعود بعضها إلى سنوات الثمنينيات دون تكييف. أضف إلى ذلك، سوء المعاملة والانتظار الممل على مستوى الخطوط، فلا يكفي الحديث عن تطوير السياحة من حيث الأمان والمناطق، دون التطرق إلى التفاصيل المهمة التي تجعل أي سائح يفكر في العودة إلى المناطق نفسها في كل عام.. وتظل وسائل النقل عندنا نقطة سوداء في قطاع السياحة.
في ظل غياب ثقافة سياحية، أسعار ملتهبة ووجوه عابسة
في الجارة تونس وفي كل موسم سياحي، يعمد التجار والحرفيون المختصون في الصناعات التقليدية وصناعة التذكرات، إلى خفض أسعار قد تصل إلى النصف، قصد توسيع النشاط السياحي لبلدانهم، وأيضا من أجل بيع منتوجاتهم. أما عندنا، فالعكس.. كلما حلّ فصل الصيف، ترتفع الخدمات الفندقية، وترتفع الأسعار على مستوى الشواطئ، وحتى على مستوى المطاعم في الأماكن السياحية، وهي طريقة سلبية لترويج السياحة، وعلينا أن ندرك أن أغلب السياح ـ سواء من المحليين أو القادمين من الخارج ـ هو من أصحاب الدخل المتوسط، وهذه الأمور تدخل في الثقافة السياحية الغائبة عندنا مع الأسف. وحتى المعاملة، فمازلنا بعيدين عن المعاملة السياحية التي يمكن أن نستقبل بها أي سائح، سواء في المحلات أو على الشواطئ، أو على مستوى الفنادق أو المطاعم، فالمعاملة وحدها وحسن الاستقبال لهما دور كبير في تنمية ثقافة سياحية لدى المجتمع. ومع الأسف، مجتمعنا ما يزال قاصرا في نظرته إلى قطاع السياحة وطريقة معاملة السياح.
فيما يغيب التكوين عن المجال.. السياحة تظل بعيدا عن آفاق الخطابات
الحديث عن تكوين تقنيين في المطاعم أو طباخين، أو أعوان استقبال في الفنادق، وحده لا يكفي إن لم تدخل فيه مواد سياحية وطريقة المعاملة وتقديم الخدمات، ويكفي إلقاء نظرة واحدة إلى بعض فنادقنا لنرى طريقة الاستقبال التي لا تشجع السياح، بل تجعلهم يفكرون ألف مرة قبل العودة للسياحة في الجزائر. فبعض الدول العربية، فتحت مراكز مختصة في تكوين فنون "الإتيكيت"، وهي تدخل في طريقة التعامل مع الآخر. وهذا الأمر لا يتوقف على أعوان الفنادق أو المطاعم أو الأماكن السياحية، بل يتوجب استحداث اتفاقيات في التكوين السياحي لا تخص وزارة السياحة فقط، بل عدة قطاعات مثـل النقل والداخلية ومصالح أخرى على احتكاك بقطاع السياحة، سواء على مستوى المطارات أو الميناء، أو النقاط الحدودية أو في المنتجعات. كما يتوجب على وزارة السياحة فتح معاهد مختصة، إذا كانت تهدف فعلا إلى تطوير السياحة في السنوات القادمة، لأن أمامها أشواطا طويلة لتقطعها من أجل تقديم خدمات سياحية مقبولة وذات مقاييس عادية. كما عليها أن تستفيد من خبرات الدول التي قطعت أشواطا كبيرة في مجال السياحة من خلال تبادل الزيارات ودعوة الخبراء من أجل تقديم محاضرات في المعاهد، التي يمكن أن تكون مختلفة الأسلاك في مجال السياحة.
من أجل تطوير السياحة في الجزائر.. حتمية التنسيق بين مختلف المصالح
السياحة ليست قطاعا تشرف عليه وزارة السياحة فقط، كما يتخيل البعض، وإنما هي مسؤولية مشتركة بين عدة أطراف ومصالح، بل هي مسؤولية مجتمع وأفراد من حيث التعامل مع الآخر، فالحديث عن تطوير السياحة على مستوى الوزارة وحده لا يكفي إن لم يتم التنسيق بين عدة قطاعات تعطي المثال الحسن عن السلوك "السياحي"، فوزارة الداخلية لها دور كبير في تطوير السياحة، من حيث توفير الأمن والسهر على راحة القادمين للسياحة على مستوى المطارات والموانئ والنقاط الحدودية، من خلال تخفيف الإجراءات أو إيجاد آلية لتسهيل تسرب السياح في أقل وقت ممكن. والأمر نفسه لأعوان الجمارك، وكذا وزارة النقل التي تتحمّل مسؤولية كبيرة من حيث تجديد حظيرة وسائل النقل، سواء للمؤسسات العامة أو الخواص، فضلا عن عقد دورات خاصة لأصحاب وسائل النقل من خلال التعامل واحترام الوقت والزبون. ودون التنسيق الجماعي، لا يمكن الوصول إلى سياحة ترقى إلى الخطابات التي يتفنن في إصدارها المسؤولون عن القطاع. ويتعين على وزارة السياحة أن تضع إستراتيجية محددة وترسم خطوطا عريضة لتطوير السياحة في البلاد خلال السنوات المقبلة، آخذة بعين الاعتبار النقاط السلبية الكثـيرة التي جعلت السياح يفضّلون الجيران على مناطقنا، رغم ما تزخر به الجزائر من مناطق سياحية يندر وجدها في العالم.
|
|
|